روهينتون ميستري يُعد روهينتون ميستري واحدًا من أبرز الكُتَّاب المعاصرين في الأدب الناطق بالإنجليزية، وقد نال شهرة عالمية بفضل أعماله التي تتناول الحياة اليومية في الهند الحديثة، من خلال عدسة إنسانية حسَّاسة ووعي اجتماعي عميق. وُلد ميستري عام 1952 في بومباي (التي تُعرف اليوم بمومباي)، في كنف أسرة پارسية تنتمي إلى الديانة الزرادشتية، وهو الإرث الذي ترك بصماته على معظم أعماله الأدبية، حيث تظهر الجالية الپارسية كخلفية ثقافية ضاغطة وغنية بالتناقضات والرموز. في عام 1975، هاجر ميستري إلى كندا، حيث بدأ حياته الجديدة موظَّفًا في أحد المصارف، ثم التحق بجامعة تورونتو لدراسة الأدب الإنجليزي والفلسفة. وهناك، في الغربة، انطلقت شرارة الكتابة الأولى، وبدأ بنشر قصص قصيرة حصدت جوائز عدَّة، ولفتت الأنظار إلى صوته السردي المتمايز. جُمِعت تلك القصص لاحقًا في مجموعته الأولى "حكايات من فيروزشا باغ" (1987)، التي وضعت اللبنة الأولى في مسيرته الأدبية. عام 1991، نشر روايته الأولى "يا لها من رحلة طويلة"، التي حظيت بإشادة واسعة، ونالت جائزة حاكم كندا العامة للأدب، وجائزة اتحاد الكومنولث للأدب، كما وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة بوكر المرموقة. أمَّا عمله الثاني "توازن دقيق" (1995)، فهو رواية ملحميَّة عن القهر والكرامة خلال فترة فرض الطوارئ في الهند، وقد رسَّخَت مكانته كروائي عالمي من الطراز الرفيع، واعتُبرت واحدة من أعظم روايات القرن العشرين، حيث بلغت القائمة النهائية لجائزة بوكر مرة أخرى، ونالت جائزة جيلر الكندية. روايته الثالثة، "شؤون عائلية" (2002)، تمضي في الخط نفسه من حيث تعقيد العلاقات الإنسانية وتأملات الشيخوخة والانتماء، لكنها تتَّسِم بنبرة أكثر حميمية. تدور أحداث الرواية في مومباي المعاصرة، وتتتبَّع نريمان فاكيل، أرمل پارسي مُسِنٌّ يعاني من الشلل الرعاش، وتستعرض كيف تؤدي حاجته إلى الرعاية إلى إعادة ترتيب الحياة اليومية لأسرته. فبين شقة واسعة متداعية وأخرى ضيقة مكتظَّة، وبين ابنة بيولوچية وابنين من زواج سابق، تنكشف هشاشة الروابط العائلية حين تتداخل الرعاية مع التضحية، والواجب مع الاستنزاف. رُشِّحَت شؤون عائلية لجائزة مان بوكر، وأُدرِجَت في القائمة الطويلة لجائزة دبلن العالمية للأدب، واختارتها صحيفة نيويورك تايمز كواحدة من الكتب البارزة لذلك العام. يمتاز أسلوب ميستري بالسلاسة والدقة والامتناع عن الزخرف اللغوي؛ ممَّا يُضفي على سرده صدقًا وعمقًا. فشخوصه ليسوا أبطالًا، بل أناس عاديُّون، مثقلون بهموم الحياة وتفاصيلها اليومية، يسعون جاهدين للتَّشبُّث بكرامتهم وسط عالم لا يلين. وكثيرًا ما يُشبِّه نقَّادٌ أعماله بأسلوب تشيخوف في رسم الشخصيات، أو ديكنز في النزعة الأخلاقية، أو تولستوي في السرد البطيء العميق. ورغم أن نتاجه الأدبي قليل نسبيًّا، فإن كل عمل من أعماله يُعدُّ إضافة جوهرية إلى أدب الشتات الهندي، وإلى الأدب العالمي عمومًا؛ ذلك أنه يكتب لا من أجل الحكاية فحسب، بل من أجل مساءلة المعنى: معنى الانتماء، ومعنى الشيخوخة، ومعنى الكرامة، ومعنى الحب حين يتحوَّل إلى عبء. يعيش روهينتون ميستري في تورونتو، بعيدًا عن الأضواء، قليل الظهور في المحافل العامة، معروف بحياته الخاصة المنعزلة. ومع ذلك، لا تزال أعماله تُقرأ على نطاق واسع، لما تحمله من صدق إنساني عميق، ولأنها تذكِّرنا دومًا بأن الأدب العظيم لا يحتاج إلى ضجيج، بل إلى صوت هادئ يعرف كيف ينصت إلى آلام البشر